اخصائي نفسيالأسبوع العربي

هل أصبح التعافي النفسي أنانية؟

هل أصبح التعافي النفسي أنانية؟
بقلم / سهير محمود عيد
في الفترة الأخيرة انتشرت جملة غريبة على مواقع التواصل الاجتماعي:
“احمِ طاقتك”،
“قاطع أي شخص يزعجك”،
“لا تبرر لأحد”،
“اختر راحتك النفسية أولًا”…
ورغم أن هذه الكلمات تبدو صحية في ظاهرها، إلا أن استخدامها الخاطئ خلق حالة مخيفة من القسوة والأنانية تحت اسم “الصحة النفسية”.
أصبح البعض ينسحب من العلاقات دون تفسير ويقول: “بحافظ على سلامي النفسي.”
ويجرح أقرب الناس إليه ثم يبرر: “أنا أضع نفسي أولًا.”
بل وصل الأمر أحيانًا إلى قطع الأهل والأصدقاء والتخلي عن المسؤوليات بحجة “التعافي النفسي”.
وهنا السؤال المهم:
هل فعلًا كل انسحاب يُعتبر نضجًا نفسيًا؟
وهل كل من يبتعد عن الناس أصبح واعيًا؟
أم أننا بدأنا نحوّل مفاهيم العلاج النفسي إلى مبررات للهروب من المواجهة وتحمل المسؤولية؟
الصحة النفسية لا تعني أن يعيش الإنسان وحده بلا خلافات أو ضغوط أو تنازلات.
ولا تعني أن نلغي كل شخص يختلف معنا.
فالإنسان الطبيعي يتعب، يتناقش، يغضب، يسامح، ويصلح العلاقات أحيانًا بدلًا من الهروب منها.
للأسف، بعض المحتوى المنتشر على السوشيال ميديا جعل الناس تتعامل مع أي خطأ بسيط وكأنه “علاقة سامة”، ومع أي خلاف وكأنه “أذى نفسي”.
حتى أصبحت كلمة “توكسيك” تُقال بسهولة مرعبة، وكأن البشر يجب أن يكونوا ملائكة حتى نستمر معهم.
الأخطر أن البعض يستخدم مصطلحات نفسية كبيرة دون فهم حقيقي لها.
فيتهم أي شخص بالنرجسية، أو التلاعب النفسي، أو الاضطراب، فقط لأنه اختلف معه أو خذله مرة.
وهذا خلق حالة من التشويه لمفهوم الصحة النفسية الحقيقي.
الحقيقة أن التعافي النفسي ليس أن تصبح قاسيًا، بل أن تصبح أكثر اتزانًا.
ليس أن تهرب من كل علاقة، بل أن تعرف متى تُصلح ومتى تنسحب.
ليس أن تؤذي الناس ثم تقول “أنا أحمي نفسي”، بل أن تضع حدودًا باحترام دون إيذاء أو استعلاء.
بعض الناس اليوم لا يريدون علاقات حقيقية، بل يريدون أشخاصًا لا يزعجونهم أبدًا، لا يعاتبونهم، لا يختلفون معهم، لا يطلبون اهتمامًا أو وقتًا أو مجهودًا.
وهذا ليس نضجًا نفسيًا… بل هروب من طبيعة العلاقات الإنسانية نفسها.
نعم، من حق الإنسان أن يبتعد عن الأذى الحقيقي، وأن يحمي نفسه من الاستنزاف والإهانة والتلاعب.
لكن ليس من الطبيعي أن يتحول “الوعي النفسي” إلى مبرر للبرود، وقطع الناس، والتخلي عن أي علاقة بمجرد أول مشكلة.
نحن لا نعيش وحدنا في هذا العالم.
والمشاعر الإنسانية لا تُدار بمنطق “الحذف والحظر” طوال الوقت.
وفي النهاية…
ليس كل من قال “أنا أتعافى” أصبح ناضجًا نفسيًا،
فبعض الناس لا يتعافون… بل يتعلمون كيف يهربون بشكل أكثر أناقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى